لماذا نحتاج إلى دعم ريادة الأعمال المحلية

0

مع كل خبر جديد لعملية استحواذ على شركة محلية، يسارع الكثيرون إلى المباركة والثناء على الحدث زاعمين أنه يُظهر قوة ريادة الأعمال المحلية وقدرتها على إنتاج مشاريع تستحق الشراء وهو ما أومن بأن عكسه الصحيح؛ أي أن قابلية تعرض شركاتنا للاستحواذ ونجاحه يحيل إلى ضعف ريادة الأعمال المحلية والتي لم تستطع المواكبة ولا ضخ المال الكافي لإطالة عمر الشركة ونقلها إلى الساحة العالمية، بل وأنها بيئة مناسبة "للإستعمار الريادي الأجنبي". ورغم أهمية الموضوع إلا أنني لن أفصل فيه الآن، وإنما سأحاول توضيح أهمية دعمنا لريادة الأعمال المحلية (في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا)، وذلك على شكل أربع نقاط وهي:

1 - ريادة الأعمال المحلية مكيفة لمنطقتنا ولن يدعمها غيرنا

ريادة الأعمال في المنطقة قدمت مشاريع استثنائية من قبل (شركة صخر مثلا) واستمدت قوتها من خصوصية المنطقة، فقدمت خدماتها باللغة العربية أساسا، واعتمدت على مؤهلات أبناءنا فوظفتهم ومنحتهم مجالا لتطوير قدراتهم لتحديد المشاكل التي نواجهها وتقديم حلول لتجاوزها أو تعديل منتجاتها والخدمات التي تقدمها لتناسب كل جديد يظهر في الساحة، وهو ما مكنها من التسيد حتى وقت قريب. أي أنها انطلقت من منطقتنا لتقدم خدمات تناسبها أولا، ومنها ما طور منتجه أو خدمته، لاحقا، لتناسب السوق الدولية. عكس الأجنبية التي يمكن استخدام منتجاتها وخدماتها دون ضرورة تكييفها لتناسب خصوصيات منطقة بعينها -ما دامت خدماتها لا تتطلب تخصصها-.

فشركة كغوغل مثلا، تقدم مشاريعها الجديدة بالإنجليزية فيستفيد منها العالم ساعة إطلاقها -مع وجود استثناءات- لاعتمادها أكثر لغة منتشرة في العالم ولاعتمادها على أسس تعلم المستخدم قبولها منذ طفولته، ولو قارناها بشركة عربية تقدم منتجها بالعربية مع إبقاها على القيم المحافظة، فسيظهر الفرق؛ فكون الأولى ممن يسطرون المفاهيم التقنية، يُسهل عليها تقديم مشاريعها لشريحة واسعة من الجمهور المستعد لدعمها، عكس الثانية، التي لن تستطيع تقديم مشروعها للعالم وإنما لمنطقة محددة فقط، وبالتالي يكون الدعم الذي قد تحصل عليه أقل من الأولى، وإن لم تحصل عليه اضطرت إما إلى الرضا بما لديها وإن كان قليلا أو إلى تغيير جلدتها، وهذا في أحسن الأحوال، أما في أسوءها فأبوابها تُغلق بشكل نهائي.

فالمشاريع الأجنبية لها من التمويل والدعم ما يسح لها بالهيمنة، ما لم تُواجه برفض واضح وقوي، أما العربية فدعمها الأساسي محصور بأهل المنطقة ممن يرون فيها ممثلا لقيمهم ومحافظا عليها ومحترما لها.

2 - للمساهمة في بناء مشاريع تحترم خصوصية منطقتنا

لابد وأن لكل منا ملاحظات حول استخدامنا لمنتج أو لخدمة، وهذه الملاحظات من شأنها أن تفيد البائع في تحسين ما يعرضه، وهذا ما نسميه بالتغذية الراجعة (feedback) وهي مما تحتاجه مشاريع منطقتنا حتى تطور من نفسها، ولو فعلت لكانت الوِجهة الأولى لأبناءنا لإظهار قدراتهم على الابتكار والإنتاج الفكري والمادي، ما سيُسهم في خلق مركزنا الخاص الذي ينافس مراكز الريادة الأخرى؛ فنجد محرك بحث عربي ومنصة لبث المحتوى المرئي بأياد عربية وهكذا دواليك. والنتيجة: إنشاء سوق شبه مغلق يتطور باستمرار لخدمة أهل المنطقة بما يتناسب وهويتهم.
فأول خطوة تكون استعمال منتجات منطقتنا ثم تقديم ملاحظاتنا حول طريقة تحسينها لضمان تطويرها الدائم لتناسب احتياجاتنا، وبهذا سنساهم في بناء مشاريع تناسبنا وتعود علينا بالنفع.

3 - للمحافظة على هويتنا

أثناء استعمالنا لمنتجات وخدمات الشركات الأجنبية لابد وأن نقع على ما نعتبره مخالفا لهويتنا الإسلامية أو المحافظة، فلو أننا مثلا كنا المسؤولين على خدمة بث المحتوى "نتفليكس" لكان كل عمل تنتجه المنصة أو تعرضه منضبطا وقيمنا. وقياسا عليه، فلكل شركة أجنبية هويتها وقيمها التي تتحكم في ما تصنعه وتقدمه، ولو أن لنا مركزا رياديا لكانت شركاتنا المنتمية له خاضعة لتصوراتنا وأيديولوجيتنا فلا ننتج إلا ما يُماشي ثقافتنا ما سيسهم في تعزيزها ثم تصديرها للعالم، وهو ما لا يمكن أن يحدث ما دمنا لا ندعم شركاتنا المحلية ولو باستخدامها.

4 - كي نستحوذ على شركات أجنبية لا العكس

في وقت مضى كنا السباقين إلى ابتكار حلول متفردة كشركة صخر (لو أكملت نهجها لربما صنعت أول حاسوب في المنطقة) ومشروع مكتوب وبريدها الإلكتروني وخدماتها المختلفة وشركة "أدْ مُوبْ" للحلول الإعلانية الخاصة بالهاتف (اشترتها غوغل). لكن مؤخرا، أضحت شركاتنا الحديثة الملفتة للنظر بديلة للشركات الأجنبية، فنجدها تنسخ الفكرة ثم تعدلها لتناسب المنطقة، فانتقلنا من المنافسة على الإتيان بأفكار مشاريع جديدة وتنفيذها إلى استنساخ القائمة في دول أخرى وتكييفها لتتناسب ومنطقتنا، ولن أستغرب إن انتقلنا في السنوات القادمة إلى الاكتفاء ببناء شركات مُعَدَّةٍ للبيع أو بمحاولة لفت انتباه الشركات الأجنبية حتى تفتح لها فروعا عندنا وهو ما يبدو أنه بدأ مع عمليات الاستحواذ التي تترك لشركاتنا المحلية هويتها الصورية إلا أنها تعيد هيكلتها لخدمة مصالحها في المنطقة وهو ما سيضر حتما بالمنافسة المستقبلية، فالاستحواذ على شركاتنا من طرف أخرى أجنبية ذات قوة مالية يضر بأية فرصة امتلكناها لنصنع مركزنا الخاص المكون من شركات محلية تعكس هويتنا وتجعل لنا دورا في توجيه عجلة قيادة ريادة الأعمال في العالم لننتقل من كوننا مستهلكين إلى منتجين. وهذا ما سنُفصله في موضوع آخر مستقبلا، إن شاء الله.

وجوابا على التساؤل المطروح على شكل عنوان، فدعمنا لريادة الأعمال المحلية سيساعد على خلق سوق تبرز منها شركات تحترم هويتنا وسجعل لنا مركزا رياديا يمكنه أن يُنتج هو الآخر ويساعدنا على التأثير في التوجهات الاقتصادية العالمية، وتحديد شكل المسار المؤدي للمستقبل.


مصادر

إعلان